السيد كمال الحيدري

450

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

البين ، فهي أشبه باللازم الذاتي الذي لا ينفكّ عن ملزومه . وهذا من قبيل الأصل المعرفي الموجود في الخلق بصفتهم مفطورين له ، الحَمْدُ للهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ . . . ( فاطر : 1 ) ، والأصل المعرفي هو معرفة الله تعالى وتوحيده ، فليس هنالك فاصلة بين أصل الخلقة وبين تحقّق الأصل المعرفي الأوّل ، فهو حقيقة الخلقة والفاطرية ، فولايته ذاتية لا تحتاج إلى جعل جاعل ، بمعنى أنَّ الإنسان بمجرّد أن تنطبع في قلبه الحقيقة الإيمانية يكون قد اتخذ من الله تعالى وليّاً له ، وقد مرّت بنا جملة بيانات تُشير إلى علِّية الإيمان للولاية الإلهية ، وهي ليست علّية جعلية إيجادية للولاية الإلهية بقدر ما هي كاشفة عنها ، فهي علّة للعلم لا للإيجاد ، وبعبارة منطقية فلسفية : إنها واسطة في الإثبات لا الثبوت ، فإنَّ الأصل قد تأصَّل مع أصل الخلقة ، والمعرفة قد سبقت ، والمعاينة قد وقعت ، ولكنَّ الغفلة والنسيان قد غلَّقتا أبواب الرجوع وقالتا : هيت لك ، ما دمت طُعمة لذلك « 1 » . إنَّ هذه الولاية الإلهية لذاتيّتها وقع التعجّب والاستهجان القرآني من اتخاذ سواها ؛ قال تعالى : قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ . . . ( الأنعام : 14 ) . هذا بالنسبة لولاية الله تعالى ، وأما ولاية الطاغوت فإنها مجعولة من قبل الإنسان الكافر نفسه ؛ قال تعالى : . . . وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا

--> ( 1 ) روي عن ابن مسكان عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام في قوله : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى الأعراف : 172 ( قلت : معاينة كان هذا ؟ . قال : نعم ، فثبتت المعرفة ونسوا الموقف وسيذكرونه ، ولولا ذلك لم يدر أحد مَن خالقه ورازقه . فمنهم من أقرّ بلسانه في الذرّ ولم يؤمن بقلبه ، فقال الله تعالى : فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ الأعراف : 101 ) . مختصر بصائر الدرجات ، للشيخ حسن بن سليمان الحلي : ص 168 . .